إحاطة إقليمية

من "معاداة أمريكا" إلى "الانحياز لأمريكا" ثم إلى الحوكمة الأمنية: التحول السياسي اليميني في أمريكا اللاتينية يعيد تشكيل منطق النمو الإقليمي

إنّ التحوّل السياسي إلى اليمين في عدد من دول أمريكا اللاتينية لا يقتصر على تغيّر نتائج الانتخابات فحسب، بل يعكس أيضًا إعادة تموضع إقليمي تقوده مجتمعةً قضايا الأمن والهجرة وضعف النمو الاقتصادي وإعادة تشكيل العلاقات مع الصين والولايات المتحدة. وستختبر الانتخابات في بيرو وكولومبيا ما إذا كان هذا الاتجاه سيواصل الانتشار، كما ستؤثر في التوقعات المتعلقة بالتعدين والاستثمار والتجارة.

من «معاداة أمريكا» إلى «الانحياز لأمريكا» ثم إلى الحوكمة الأمنية: التحول اليميني في سياسات أمريكا اللاتينية يعيد تشكيل منطق النمو الإقليمي

ما يحدث في أمريكا اللاتينية لا ينبغي فهمه فقط على أنه تبدّل أيديولوجي يتكرر مع كل انتخابات، بل يجب النظر إليه بوصفه إعادة ترتيب بنيوية تدور حول «الأمن والنمو وعلاقات التبعية الخارجية». فالظاهرة الأساسية التي وصفتها مجلة نيوزويك هي أنه، بعد عودة إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، جرى تعزيز قدرة الولايات المتحدة على وضع أجندة المنطقة في نصف الكرة الغربي عبر قضايا الهجرة والمخدرات والأمن العام وسردية مناهضة اليسار؛ وفي الوقت نفسه، فإن استياء الناخبين في دول عديدة بأمريكا اللاتينية من الركود الاقتصادي وتدهور الأمن العام وفّر تربة خصبة للسياسات اليمينية.

هذا يعني أن التحول السياسي في أمريكا اللاتينية ينتقل من مجرد «صراع بين اليسار واليمين» إلى «صراع على القدرة على الحكم». فمن ينجح في ضبط الجريمة، وتثبيت التوقعات، وجذب رأس المال، والحفاظ على التعاون الخارجي، يكون الأقدر على كسب الشرعية السياسية في المرحلة المقبلة. وبالنسبة للمستثمرين والقطاع الصناعي، فإن هذا التحول أهم من التصنيفات الأيديولوجية نفسها، لأنه سيؤثر مباشرة في تراخيص التعدين، ودفع مشاريع البنية التحتية، واختيار الشركاء التجاريين، وتيرة دخول الاستثمارات الأجنبية.

أولاً: لماذا حدثت هذه الموجة اليمينية؟ الجواب لا يكمن في الانتخابات فقط، بل في فشل الحوكمة

إذا نظرنا إلى التغير السياسي الراهن في أمريكا اللاتينية بوصفه اتجاهاً عاماً، فإن الدوافع الحقيقية تأتي على الأقل من ثلاثة مستويات.

المستوى الأول هو ضعف الأداء الاقتصادي. ففي السنوات الأخيرة، ورغم أن كثيراً من الحكومات اليسارية في المنطقة أكدت أكثر على إعادة التوزيع في سياساتها الاجتماعية، فإن قدرتها على تحقيق النمو والتوظيف والأمن العام لم تكن مستقرة. وعندما يكون التحسن الاقتصادي محدوداً، يميل الناخبون إلى وضع «النظام» و«الأمن» قبل «إعادة التوزيع». ولهذا عادت السياسات الأمنية الصارمة والقيادات القوية والسرديات الاقتصادية الأكثر ميلًا إلى السوق لتكتسب جاذبية من جديد.

المستوى الثاني هو تصاعد قضايا الجريمة والأمن. فالنص يشير إلى أن جرائم العنف وعمليات الابتزاز في بيرو أصبحتا موضوعين مركزيين في الانتخابات، وأن الحملة في كولومبيا دارت أيضاً حول الأمن ومكافحة الجريمة. وبالنسبة للمواطن العادي، لم يعد الأمن مجرد مسألة إدارة عامة، بل أصبح متغيراً أساسياً في تكلفة الحياة، والبيئة التجارية، وثقة المستهلكين في المدن.

المستوى الثالث هو إعادة الولايات المتحدة تعزيز نفوذها الإقليمي. فقد ربطت إدارة ترامب قضايا أمريكا اللاتينية بملفات الحدود والمخدرات والهجرة والأمن القومي بشكل وثيق، وعبر الدعم العلني لبعض القادة اليمينيين أو الموالين لأمريكا، أثرت في المناخ السياسي في المنطقة. هذه الممارسة ليست جديدة، لكن حجمها وإيقاعها كانا أقوى، كما أنها باتت أكثر التصاقاً بمكافحة المخدرات والضغط العسكري والاصطفاف الدبلوماسي. والنتيجة أن الخيارات السياسية في بعض دول أمريكا اللاتينية لم تعد مجرد منافسة داخلية، بل أصبحت أكثر شبهاً بإعلان موقف علني من واشنطن.

ثانياً: من المستفيد؟ إلى جانب اليمين الموالي لأمريكا، فإن أول المستفيدين هم قطاعا الأمن والموارد

على مستوى الدول، هذا التحول ليس متساوياً. وأكثر البلدان تأثراً بشكل مباشر هي بيرو وكولومبيا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل والمكسيك، إضافة إلى سلاسل الأمن المحيطة بفنزويلا.

بيرو مهمة بشكل خاص.الأهم تأثرًا بشكل مباشر هو سلسلة الأمن المحيطة بكل من بيرو وكولومبيا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وفنزويلا.

تعد بيرو على وجه الخصوص عنصرًا حاسمًا. وتُظهر المواد أن الانتخابات الرئاسية في بيرو جرت في ظل حالة عالية من التشظي، إذ شارك في الجولة الأولى ما يصل إلى 35 مرشحًا، كما أن المرشحين اللذين وصلا إلى الجولة الحاسمة حصلا معًا على أقل من 20% من الأصوات. وهذا يوضح أن المسألة ليست «من الأكثر شعبية»، بل «من الأقدر على تجميع أصوات الرفض وترسيخ النظام». وبما أن بيرو من أهم دول العالم في إنتاج النحاس، فإذا مال المناخ السياسي نحو اليمين مع التشديد على النظام وملاءمة الاستثمار، فقد تتحسن وتيرة منح تراخيص التعدين والبنية التحتية والخدمات اللوجستية للموانئ؛ أما إذا تعزز المسار اليساري بما يحمله من نزعة أشد تجاه عقود التعدين والتعاون مع الصين، فإن تقييمات المخاطر لدى المستثمرين الأجانب لمشاريع الموارد سترتفع بالتوازي.

أما كولومبيا، فهي أقرب إلى ساحة اختبار للنفوذ الأمريكي. فقد تشكلت الانتخابات في هذا البلد بعمق بفعل قضايا الأمن العام والمخدرات، وإذا فاز تيار يميني أو تيار شديد التركيز على الأمن، فقد يعزز ذلك أكثر من التنسيق السياسي مع واشنطن. ومن منظور القطاعات، يعني هذا أن الأمن والخدمات اللوجستية وإدارة الحدود وتقنيات إنفاذ القانون، فضلًا عن المشاريع الرأسمالية المرتبطة بالطاقة والتعدين، ستصبح أكثر جذبًا للاهتمام.

وتجسد تشيلي والأرجنتين الوجه الآخر لـ«الترميم القائم على السوق». فاعتماد تشيلي الطويل على النحاس والليثيوم يعني أنه إذا أعطت حكومة يمينية الأولوية لاستعادة ثقة المستثمرين، فقد تصبح تنمية الموارد وتوسيع الصادرات أكثر قابلية للتنبؤ؛ أما في الأرجنتين، فإن التغيرات السياسية في مجال الإصلاحات الكلية وصادرات الطاقة والتعدين ترتبط بشكل مباشر بحكم الأسواق على قدرتها على السداد وآفاق إيراداتها من العملات الأجنبية.

ثالثًا، ما القطاعات التي ستستفيد؟ خلف السياسة الأمنية، يعاد تسعير الموارد والبنية التحتية

من زاوية القطاعات، فإن المستفيد الأول من هذا التحول ليس معسكرًا سياسيًا مجردًا، بل ثلاث فئات من الأصول: الموارد، والبنية التحتية، والخدمات المرتبطة بالأمن.

أولًا: السلع الأساسية والمعادن الحيوية. فالنحاس في بيرو، والنحاس والليثيوم في تشيلي، والليثيوم والطاقة في الأرجنتين، والزراعة والتعدين في البرازيل، كلها ستُعاد تسعيرها مع تغير توقعات الاستقرار السياسي. وإذا ما اتجهت مزيد من دول أمريكا اللاتينية نحو دعم الاستثمار والتصدير وإعطاء الأولوية للنظام، فقد تتحسن كفاءة الموافقات على تطوير الموارد والعائدات الضريبية وشروط التمويل الدولي. وبالنسبة للسوق العالمية، فهذا يعني أن الموقع الاستراتيجي لأمريكا اللاتينية في إمدادات النحاس والليثيوم والمنتجات الزراعية وبعض مصادر الطاقة لن يتراجع، بل قد يرتفع بفعل ازدياد قابلية السياسات للتنبؤ.

ثانيًا: البنية التحتية والخدمات اللوجستية. فالتحول السياسي نحو اليمين غالبًا ما يترافق مع أسلوب حكم يركز أكثر على «القدرة التنفيذية»، وهو ما قد يفيد مشاريع الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء والخدمات اللوجستية الحدودية. فهذه المشاريع تعتمد بدرجة كبيرة على التنسيق بين الجهات المختلفة وعلى التزامات مالية طويلة الأجل، والحكومات القوية غالبًا ما تكون أقدر على دفع إجراءات الموافقة والعطاءات. وخصوصًا في دول تصدير المعادن، فإن كفاءة البنية التحتية تحدد مباشرة ما إذا كانت الموارد ستتحول فعلًا إلى عملات أجنبية ووظائف.

ثالثًا: صناعات الأمن وتقنيات الحوكمة. ورغم أن الخطاب الإخباري يركز على السياسة، فإن المعنى الاقتصادي الفعلي هو أن الطلب على خدمات الأمن والمراقبة وإدارة الحدود وحوكمة البيانات وتقنيات إنفاذ القانون والخدمات الأمنية الخاصة آخذ في الارتفاع. كما أن تعافي الاستهلاك وتوسع الأعمال وانتعاش السياحة في كثير من مدن أمريكا اللاتينية يعتمد أيضًا على تحسن الأمن. وبعبارة أخرى، لم يعد الأمن مجرد شعار سياسي، بل أصبح سوقًا حقيقية.

رابعًا، من زاوية التجارة: قد تقترب أمريكا اللاتينية من موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية من جديد نحو الولايات المتحدةهذا التحوّل السياسي يحمل دلالات تجارية واضحة: فبعض دول أميركا اللاتينية ستتجه أكثر إلى مواءمة سياساتها مع الولايات المتحدة، مع تبني موقف أكثر حذرًا، بل وأشد وضوحًا، في إعادة تقييم رأس المال الصيني وعقود التعدين الصينية.

إن تأكيد المرشح اليساري في بيرو على التعاون في عقود التعدين مع الصين يسلّط الضوء عمليًا على تناقض أساسي: ففي الدول الغنية بالموارد، غالبًا ما تأتي الأموال والتكنولوجيا وأسواق التصدير من اتجاهات مختلفة، بينما تؤثر الجغرافيا السياسية في ترتيب أولويات هذه العلاقات. وإذا اختارت مزيد من الحكومات في المنطقة مستقبلًا مسارًا أقرب إلى الولايات المتحدة، فقد يتغير دور أميركا اللاتينية في سلاسل الإمداد العالمية من «وازنٍ متعدد الأطراف» إلى «مزوّد للموارد وشريك تصنيع قريب على أطراف سلسلة توريد تقودها الولايات المتحدة».

وهذا مهم خصوصًا بالنسبة للمكسيك. فعلى الرغم من أن المادة لم تضع المكسيك في مركز هذه الجولة الانتخابية، فإنها في عهد ترامب كانت دومًا البلد المحوري الذي تستوعب فيه الولايات المتحدة إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتصنيع القريب، وسياسات الحدود. وإذا صار المناخ السياسي العام في أميركا اللاتينية أكثر ميلًا إلى اليمين، فقد يواصل موقع المكسيك في التصنيع والتصدير وإحلال الواردات ضمن سلاسل الإمداد تعززه.

أما بالنسبة إلى الصين، فهذا يعني أن أميركا اللاتينية ستظل منطقة مهمة للموارد والسوق، لكن طرق الدخول إليها قد تصبح أكثر اعتمادًا على شفافية المشاريع، والقدرة على الامتثال، والقدرة على التعاون طويل الأمد، لا على مجرد شراء الموارد فحسب.

خامسًا، هل تغيّر المشهد الإقليمي؟ أميركا اللاتينية تنتقل من الانقسام الأيديولوجي إلى «تحالفات الحوكمة الأمنية»

خلال الفترة الماضية، كان يُوصَف المشهد السياسي في أميركا اللاتينية كثيرًا بوصفه عودة لليسار أو تذبذبًا شعبويًا. لكن من منظور إقليمي أوسع، يبدو الآن أقرب إلى إعادة تنظيم إقليمية تُعطي الأولوية لـ«الحوكمة الأمنية».

لقد أبرزت قمة «درع الأميركتين» التي دعا إليها ترامب الإطارَ السياسي القائم على مكافحة المخدرات، والحد من الهجرة، وتعزيز الهيمنة الأميركية، فيما كانت القيادات المدعوة أو المتقاربة معه تحمل في الغالب طابعًا أمنيًا صارمًا ونزعة قوية نحو النظام. وهذا يدل على أن التحالفات السياسية في أميركا اللاتينية تعيد تشكيل نفسها حول قضايا الأمن، لا حول الانقسام التقليدي البسيط بين اليسار واليمين.

ولذلك نتيجتان على التعاون الإقليمي:

أولًا، قد يتعزز التعاون في إنفاذ القانون عبر الحدود، وضبط الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لكنه سيحمل طابعًا أوضح للقيادة الأميركية.

ثانيًا، قد يصبح التنسيق داخل المنطقة أكثر براغماتية، لكن الطيف السياسي سيواصل الانقسام. فمثلًا قد تظل البرازيل والمكسيك وفنزويلا محتفظةً باستقلال نسبي في مواقفها الدبلوماسية، لتشكّل «مُخفِّفات صدمة» قليلة؛ بينما من المرجّح أن تميل دول مثل بيرو وكولومبيا والإكوادور والأرجنتين، في مراحل مختلفة، إلى المسار المؤيد للولايات المتحدة.

سادسًا، التقدير للسنوات الخمس إلى العشر المقبلة: ما سيحدد مصير أميركا اللاتينية ليس «اليمين أم اليسار»، بل «هل تستطيع تحويل عوائد الأمن إلى عوائد نمو»

خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، لن يكون أهم تغيير هيكلي في أميركا اللاتينية مجرد تناوب الأحزاب في السلطة، بل ما إذا كانت ثلاثة أمور ستتحقق في الوقت نفسه: تحسن الأمن، واستعادة الاستثمار، وارتقاء الصادرات.

إذا لم تُفضِ الحكومات اليمينية إلى ما هو أكثر من سياسات أمنية أكثر تشددًا، من دون تحسين الانضباط المالي والبنية التحتية وفرص العمل، فمن المرجح جدًا أن تنعكس هذه الموجة السياسية في الانتخابات التالية. وعلى النقيض، إذا تمكنت هذه الحكومات من تحويل النظام الأمني إلى توسع في التعدين، وتحديث الموانئ، واستيعاب الصناعات التحويلية، والحوكمة الرقمية، فإن أميركا اللاتينية ستدخل نموذج نمو جديدًا أقرب إلى «الموارد + التصنيع القريب + الحوكمة الأمنية».وهذا أيضًا هو المنطق الذي ينبغي للمستثمرين التركيز عليه أكثر من غيره:

  • أيّ البلدان يمكن أن تتحول فيها الاستقرار السياسي فعلًا إلى ثقة رأسمالية؛
  • أيّ الدول الغنية بالموارد تستطيع، عبر تحسينات مؤسسية، رفع كفاءة صادرات النحاس والليثيوم والطاقة والمنتجات الزراعية؛
  • أيّ البلدان ستحصل على مزيد من فرص التجارة والتمويل في ظل إعادة الهيكلة الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة.

من هذه الزاوية، لا تُعدّ بيرو وكولومبيا مجرد انتخابين، بل اختبارًا تحت الضغط للنظام الجديد في أمريكا اللاتينية. فإذا واصلتَ التحول نحو اليمين، فهذا يعني أن السياسة الإقليمية قد دخلت بالفعل دورة جديدة تُعطي وزناً أكبر للنظام، ومكافحة الجريمة، والتنسيق مع الولايات المتحدة؛ أما إذا حدث تراجع، فذلك يعني أن الرأي العام لا يزال يبحث عن بدائل قادرة على معالجة الأمن والنمو في الوقت نفسه.

وبغضّ النظر عن النتيجة، لم تعد أمريكا اللاتينية مجرد “منطقة هامشية” ضمن الجنوب العالمي. فهي تعود، بفضل المعادن والطاقة وتقريب التصنيع من الأسواق النهائية وإعادة الاصطفاف الجيوسياسي، إلى قلب اهتمام رأس المال والتجارة العالميين.

بوصلة المصادر · latamreport

تضع latamreport هذه الملاحظة ضمن إحاطة إقليمية / السلع والتجارة / بنية تحتية في أمريكا اللاتينية: ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص. إحاطة إقليمية / السلع والتجارة / بنية تحتية في أمريكا اللاتينية يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.

Source URLs

  1. https://www.newsweek.com/trump-is-remaking-latin-america-in-his-image-peru-and-colombia-may-be-next-12038839Primary

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة